......:
"6- وقوله : لم يرد في المصادر القديمة أو الحديثة أي ذكر لسراة تسمّى سراة بني عمر .

أقول : الواقع يغني عن مائة كتاب ، ودلائل الأمور تغني عن ثقات الرجال، فديار قبيلة بني عمر تتوزع منذ القدم بين السراة وتهامة، وبنو عُمَر السّراة هم بطون من بني ناشر وهم أهل حزنة والمصنعة وغيلان والربقة، والفقهاء ، وبطون أخرى من بني زيدان وهم بنو عُبيد، وهناك أٍسر من بني ناشر وبني زيدان وبني دُحَيْم في بلجرشي وبعض القرى المجاورة ، كالروضة في البركة، والعجلان في المدان، والفقهاء ( اليوسف ) في مَقْمُور، والجهابلة في الأجاعدة، والمقبول في الحمران . وكانت ديار بني عُمَر قبل حادثة الإجلاء المعروفة في حدود القرن العاشر الهجري تحتل حيّزاً كبيراً من السّراة ، ولا يزال بعض كبار السّن من أهل المنطقة يعرفون حدود ديارهم القديمة إلى اليوم. فهل في إغفال المصادر القديمة أو الحديثة ذكر سراة بني عُمَر حجة تلغي الواقع ، وتمنعهم حقّهم في أن تُنْسَـب ديارهم إليهم ! كما وقع الأستاذ جمعان في خطأ فادح عندما فرّق بين بني ناشر فقال : (( بنو ناشر يطلق على قوم من بني عُمَر، ويطلق على قوم من غامد، وتشابه الاسم ليس دليلاً على أنهم من أصل واحد )) . فقد اعتقد أن بني ناشر - أهل السراة - من غامد ، وهذا دليل على سطحيّة المعلومات التي يعرفها الأستاذ جمعان عن قبيلة بني عُمَر وبطونها في العصر الحاضر . وللعلم أقول : بنو ناشر في السراة وتهامة جميعهم من بني عُمَر، وكان لهم مشيخة مستقلة، وكانت مشيختهم جميعاً حتى نهاية القرن الثالث عشر في حزنة، ومن أشهر شيوخهم محمد بن فرحة، وعبد الرحمن بن قشاش ( ت - 1296هـ ) وبعد انتقال مشيخة بني عُمَر إلى تهامة، انتسب أفراد من بني ناشر السّراة إلى غامد، وذلك لأسباب منها قرب الأحوال المدينة وقد حصلوا منها على هويتهم الشخصية، وهي تتبع إمارة بلجرشي ومشيختها، وبلجرشي اليوم في عداد قبيلة غامد . وهناك أسر كثيرة من بني ناشر السراة لم تذيل أسماءها بالانتساب إلى قبيلة غامد، وينتسبون إما إلى بني عُمَر فيقولون: العُمَري وإما إلى قراهم - وهذا كثير - فيقولون : الحزنوي أو الغيلاني أو المصنعي، وبعضهم يكتفي بلقبه أو شهرته الخاصة، أو باسم جده الأعلى .


7- ذكرت أن بني عُمَر هم من قبيلة شَكْر الأزدية . ولكن الأستاذ جمعان اعترض على ذلك قائلاً إن قبيلة شَكْر من القبائل الصغيرة التي استوطنت السّراة ثم درجت وانقرضت، أو ربما ارتحلت مع بارق وذابت فيها، وكل ذلك يدل على ضآلة هذه القبيلة . قال: ثم إن شَكْر ينتسبون إلى (( عمرو )) ولا علاقة لقبيلة بني عُمَر من غير واو في عصرنا الحاضر بشَكْر القبيلة القديمة . أقول : ما قاله الأستاذ جمعان عن ضآلة قبيلة شَكْر أو انقراضها، قول متسرع يرفضه الواقع وتردّه المصادر التّاريخية . فبنو شَكْر إحدى القبائل التي عدّها المؤرّخون من القبائل الأزديّة الكبيرة التي استوطنت السّراة ، بعد هجرتها من اليمن إثر سيل العرم ، نحو سنة 115 - 118 من ميلاد المسيح عليه السلام . وجاء في المصادر ما يؤكد أنها كانت من القبائل الكبيرة القوية ذات الشّأن بين القبائل العربية، وذلك يتضح من النّصوص التالية :

أ- قال ابن الكلبيّ في ( نسب معد واليمن الكبير 2/465) : (( شَكْر بطن عظيم بالسّراة لهم عدد، وليس بالعراق منهم أحد )) .

ب - ذكرهم الهمداني في غير موضع من كتابه ( صفة جزيرة العرب ) فعدّهم من بين قبائل الأزد التي استوطنت السّراة، وحدد موطنهم بها بين سراة الحَجْر جنوباً وسراة غامد شمالاً فقال : (( ثم قطع بين الحَجْر وبين بلد شَكْر بطنان من خَثْعم يقال لهم ألوس والفزع، فقطعتاه إلى تهامة ، ثم بلد شَكْر سروي، ثم غامد )) وقال بعد أن ذكر سراة بلقرن ومن معهم ( ص 130 ): (( ثم سراة الحال لشَكْر نجدهم خثعم، وغورهم قبائل من الأسْد بن عُمَران )) . ثم أشاد بفصاحة قبائل السّراة وعَدّ منها شَكْر، فقال ( ص 250 ) : (( ثم الفصاحة … في سراة الحجر فدوس فغامد فشَكْر )) .

ج - ومن أخبار شَكْر في الجاهلية أنهم قتلوا أخاً لخِرْنِق بنت هَفّان واسمه حِزاق، وهي أيضاً أخت شاعر المعلقات طرفة بن العبد، فقالت ترثي أخاها المقتول ( اللسان 10/48 ) : أقلّب طرفي في الفوارس لا أرى حزاقاً وعيني كالحجاة من القطر
فلو بيدي مُلك اليمامة، لم تزل قبائلُ يسبين العقائل من شَكْر


د - ومن أخبارهم في الإسلام قول أبي المنهال عيينة بن المنهال : (( لما جاء الإسلام سارعت إليه شَكْر ، وأبطأت بارق، وهم أخوتهم، واسم شَكْر والان )) . التاج ( حول ) 7/296 . والخبر في معجم البلدان2/207 وفيه ( يشكر ) وهو تحريف .

هـ - وفي فتوح الشام ( ص 224 ) عن الصحابي الجليل عمرو بن الطفيل الدوسي أنه ارتجز في معركة اليرموك ، وهو يقاتل الأعداء قائلاً : قد علمت دوس وشَكر تعلم أني إذا الأبيض يوماً مظلم
وعرّد النّكس وفر الأيـــهم أني عفرٌ في الوقاع ضيغم
وقاتل قتالاً شديداً حتى أستشهد ، رحمه الله ، ورضي عنه . ولو ولم تكن شَكر قبيلة ذات شأن عظيم في عصره ، لما قرنها - في ذلك الموقف العصيب - بقبيلته دوس ، مفتخراً بأنها تعلم شجاعته وبطولاته في ساحات الوغى .

و - ذكر صاعد البغداديّ في ( الفصوص 3/286 ) الأسماء المزدوجة في كلام العرب ، فذكر بجيلة وخثعم ، وعاد وثمود، وحاشد وبكيل ، والأوس والخزرج، وشَكْر وغامد . فكانت شَكْر لشهرتها تقرن في كلام العرب قديماً بجارتها غامد ، كما يقال اليوم : غامد وزهران . أفبعد هذا كله يبيح الأستاذ جمعان لنفسه الحكم على قبيلة شَكْر بالضّـآلة، أو الفناء . ثم إنه نفي العلاقة بين بني عُمَر وقبيلة شكر، فهل كان عن علم بأصول كلٍّ منهما، أم أنه ظن ، والظّن لا يغني من الحق شئيا ! .

أما قولي عن بني عُمَر : إنهم امتداد لقبيلة شَكْر ، فذلك استناد إلى القرائن التّالية :

ظل العلماء يذكرون بني شَكْر بهذا الاسم على أنها قبيلة موجودة في ديارها إلى نهاية القرن السّابع الهجري تقريباً، ولم يرد في مصدر أن قبيلة شَكْر نزحت من ديارها، وحل محلها قبيلة أخرى؛ لحصانة بلادهم ومنعتها ووفرة خيراتها، وكذلك جميع قبائل الأزد التي استوطنت السّراة لم تغادر أماكنها التي نزلت بها منذ هجرتها من اليمن . ولهذا قلت إن بني عُمَر في العصر الحاضر إنما هم امتداد لقبيلة شَكْر، لأن ديارهم اليوم هي ديار قبيلة شَكْر قديماً، باستثناء بعض الجهات الشّرقية التي أصبحت اليوم من ديار غامد .ومن الأماكن التي ذكرت لشَكْر ، وهي في ديار بني عُمَر اليوم أو هي قريبة منها :

- الحال، وقد امتد إليها عمران مدينة بلجرشيّ، وأهلها بنو الجرشيّ ، وهو عبد الله بن الأحمر الجرشيّ ، وهو من جُرَش، وهي اليوم بلدة مندثرة في خميس مشيط، ولاه الخليفة العباسيّ هارون الرّشيد بلاد غامد وزهران وشَكْر ، فاتخذ من ديار شَكْر قاعدة له، فبنوه اليوم يدعون بالجرشيّ، وهو اختصار على غير القياس لبني الجرشيّ، كقولهم بالحكم، وبالشّهم، وبلحارث . وكانت بلدتهم تسمّى دار السوق ، ولما نقلت الإمارة إليها عام 1371 هـ غلب اسم القبيلة على البلدة . وكانت سوقاً عامرة يقصدها النّاس من جهات شتى ؛ لذلك استوطنها أٍسر من قبائل مختلفة غير بني الجرشي من غامد، وزهران ، وبجيلة، وبني شهر ، وغيرهم ؛ فسكانها خليط من قبائل عدة، ومن هنا كان من أسمائها أيضاً الدار المخلطة . وفي بلجرشيّ اليوم أسر لا تزال تحتفظ بنسبها إلى شَكْر ، ومنهم آل مجدول، وكانت فيهم مشيخة بلجرشيّ، بل لا يزال إلى أقصى الشرق من بلجرشي بلدة تدعى جناب شَكْر، وأهلها بادية يقال لهم: شَكْر، وقد دخلوا بالحلف في بدنة آل جابر إحدى بطـون بني كبير . وبالقرب من الحال جبل يقال له : شكران ، ولعله نسبة إلى شَكْر ، على غير القياس، كقولهم في المنطقة : عَيْشان وزَرْبان وحَبّان ، نسبة إلى العيش والزرب والحب.

- حزنة : ذكر نصر والحازمي وياقوت أنه جبل في ديار شَكْر .

- شدوان ، وحزنة، والطهيان ، والشَّرى، ومشيع ، وأبيان، وأملح ( الملح ) ، ومرّان، وماوان ( ناوان ) جميعها مواضع ذكرها الشاعر يعلى الأحول الشَكْري في قصيدته التي يحن فيها إلى أرض قومه، وهو محبوس بمكة ، وهذه المواضع لا تزال معروفة بأسمائها إلى اليوم في ديار بني عُمَر، أو في حدودها .

والسؤال الذي يرد هنا ، هو : متى وكيف تحول اسم القبيلة من شَكْر إلى بني عُمَر ؟

أقول: أسماء عدد من القبائل العربية تحولت في العصر الحاضر عما كانت عليه قديما، ولا يعني تحول الاسم القديم لقبيلة ما إلى اسم جديد أنها درجت وانقرضت، فهناك أسباب كثيرة تدعو إلى تحوّل القبائل عن أسمائها الأصليّة إلى أسماء جديدة ، ذكر منها العلماء بالنّسب :

1- تباعد الأنساب وصيرورة الأفخاذ بطوناً، والبطون قبائل ، والقبائل شعوباً .

2- صعوبة الوقوف على التسلسل الصّحيح للأنساب لقدم العهد وعدم وجود المدوّنات.

3- إمكان اشتهار قبيلة من القبائل باسم فرد مشهور منها يغلب اسمه الاسم الأصلي للقبيلة ، وربما انضم إلى النّسبة إليه غير أعقابه من عشيرته كأخوته، وبني عمومته .

4- تشابه أسماء القبائل بالرغم من تباعد أصولها واختلاف أنسابها .

5- اشتهار القبيلة باسم جديد لسبب من الأسباب ؛ لذلك تجد كثيراً من القبائل التي تغيرت أسماؤها اليوم لا يستطيع أبناؤها في الغالب تفسير متي حدث ذلك التغيير ، أو تعليل حدوثه .

وقد ذكر النسابة هشام بن محمد الكلبي أن عدي بن حارثة بن عمرو بن عامر الذي ينتهي نسبه إلى مازن بن الأزد كان له من الأبناء : سعد، وعمرو، وعمران ، وشهرتهم بارق . قيل : سموا بذلك لجبل نزلوه بالسراة اسمه بارق، وقيل : لأنهم تبعوا البرق فسموا بارقاً ، ثم غلبت هذه الشّهرة على سعد بن عدي الذي استوطن تهامة ، ولا يزال في تهامة بني شهر عدد من القبائل تدعى بارق ، وهي تنتسب إليه .

وولد عمران بن عدي عَمْرا، وولد عمرو والان، وهو الملقب بشَكْر، الذي تنتسب إليه القبيلة . ويظهر - والله أعلم - أن بني عمرو بن عدي، وبني الأسد بن عمران بن عمرو ، وكانوا - كما ذكر الهمداني - في تهامة شكر ( بني عُمَر اليوم ) قد اختلطوا بشكر في وقت ما من العصور المتأخرة، ، وكلهم في الأصل إخوة وأبناء عمومة، فسموا جميعاً (( بني عمرو )) تغليباً أو رجوعاً إلى الأصل ، وجمعهم اليوم على ألسنة العامّة (( العمارية )) فهل هو جمع عُمَر أو عمرو أو عمران، أو هو جمع للثلاثة ؟ كل ذلك محتمل . ويسند ما ذهبت إليه إن من أبناء عمرو بن عدي الرَّبَعَة، والأشابيب، وهم أبناء شبيب بن عمرو ( وفي الفصوص 3/284 ): (( شبيب بن عُمَر )) . وما زال في بني عمر في قرية حزنة موضع يعرف بالرَّبَعة، وفيهم الربعان، ولعله نسبة إلى الرَّبَعَة على طريقتهم في النسب بالألف والنون، كما تقدم، وفيهم الأشاعيب، ولعلّه محرّف من الأشابيب . كما أن تحرّف عمرو إلى عُمَر أو العكس سهل لفظاً وكتابة، كما يعرفه علماء الحديث، والمشتغلون بتحقيق المخطوطات. والعمريّ نسبة كثيرة جداً في عدد من القبائل العربية، لذلك كان من الصّعب ضبط هذه النّسبة! والتّمييز بين العُمَريّ والعَمْريّ ، وبخاصة إذا كان الأمر متروكاً للروايات الشفهية التي سرعان ما تتبدل عن قريب ، فكيف إذا مر عليها مئات السّـنين .

ومن أمثلة التّحريف الذي طرأ على أسماء بعض القبائل العربية، ما نجده من اختلاف في نطق بني كبير ، وهم من أشهر بطون غامد، فهو في جميع ما اطلعت عليه من مصادر النسب : كثير ( بالثاء ) بن الدول بن سعد بن غامد . فهل الصّواب بنو كبير بالباء، كما ننطقه اليوم، أم بنو كثير، كما جاء في المصادر ؟ .

وأخيراً فإن البحث في النّسب من الأمور المعقدة التي لا يستطيع أي إنسان مهما بلغ علمه أن يبتّ فيه بقول فصل، ومعظم ما كتب عن الأنساب قديماً أو حديثا إنما هو مجرد اجتهادات عرضة للخطأ والصّواب ؛ لأن الإنسان في هذه الأرض قد مر عليه آلاف السّنين، ومن ذا الذي يستطيع أن يعيد نسبه موصولاً بنسب قبيلته بلا انقطاع إلى عدنان أو قحطان، فضـلا عن سام أو آدم عليه السّلام ! يبقى الأمر - كما قلت - مجرد اجتهادات ومحاولات ، ولكل مجتهد نصيب .
http://www.khayma.com/heznah/wahah/tahyan3.html

ساعد في نشر والارتقاء بنا عبر مشاركة رأيك في الفيس بوك