وفــــــــاء الـــحــــــذاء !! :
إن كان وفاء الحيوان لصاحبه مقبولاً .. فهل يُعقل أن يُوفي الجماد لصاحبه ؟!! .. هذا أمر لا يمكن حدوثه بالطبع .. ولو حدث فإنه سيكون نوع غريب من الوفاء .. وبالفعل فإن ما حدث لأبي القاسم من حذائه كان نوعاً غريباً من الوفاء أضربه ضرراً بليغاً ، بل إنه أفلسه تماماً .. سنعرف كيف حدث ذلك بعد أن نقرأ هذه الحكاية الخيالية المضحكة ..
كان في بغداد رجل اسمه أبو القاسم ..لم يغير حذائه منذ سبع سنوات ، وكان كلما قُطع الحذاء وضع رُقعة مكان القطع حتى صار الحذاء ثقيلاً جداً وأيضاً شهيراً جداً ، يعرفه كل الناس ..
وفي يوم دخل أبو القاسم الحمام ، وترك حذائه على الباب فقال صاحب له :
(( أما آن لك يا أبا القاسم أن تغير حذاءك هذا بآخر جديد ، خاصة وأنك لست بالرجل الفقير )) ..
فقال أبو القاسم : (( الحق معك .. سأغيره )) ..
فلما خرج من الحمام وجد حذاءً جديداً بجوار حذاءه ، فظن أن صاحبه اشتراه له .. فلبسه وترك حذاءه ..
وكان الحذاء الجديد للقاضي !! .. فلما خرج لم يجد حذاءه ، ففتش عنه فلم يجد غير حذاء أبي القاسم فعرفه ، وأرسل في طلبه ، فلما جاء ، ضربه وأمر بحبسه ..
فلما خرج من الحبس أخذ حذاءه غاضباً وذهب إلى النهر مصمماً أن يتخلص منه ، فلما وصل هناك ألقاه بالنهر وعاد ..
فجاء صياد ورمى شبكته فخرج بها حذاء أبي القاسم ، فعرفه الصياد وظن أنه وقع منه سهواً في النهر ، فذهب ليرده إليه ، فلما وصل بيت أبي القاسم لم يجده به ، ورأى نافذة مفتوحة بأعلى البيت ، فرمى الحذاء من خلالها ، فسقط على زلعة زجاجية فاخرة مليئة بأرقى أنواع ماء الورد ثمنها 120 درهماً فكسرها ، وتبدد ماء الورد ..
فلما جاء أبو القاسم ورأى ذلك أدرك ما حدث فلطم وجهه ، ولعن حذاءه ... ثم انتظر حتى جاء الليل ، فأخذ الحذاء وذهب يحفر حفرة يدفنه فيها ليتخلص منه .. فسمع الجيران صوت الحفر ، فظنوا أنه لص ، فأخبروا الشرطة فقبضوا عليه ، وأرسلوه إلى الحاكم ، فغرمه ، وحبسه ..
فلما خرج من الحبس أخذ حذاءه وذهب به إلى الخان ورماه في المرحاض ليتخلص منه نهائياً .. وعاد مستريح البال .. إلا أن الحذاء سد عين المرحاض ففاض ماؤه وضج الناس من الرائحة الكريهة ، فبحثوا عن السبب .. فأخرجوا حذاء أبي القاسم وعرفوه .. فرفعوا أمره إلى الوالي .. فاستدعى أبا القاسم وغرمه وحبسه ..
فلما خرج من الحبس أخذ حذاءه ، ونظر إليه وقال :
(( يا لك من حذاء وفي ، تأبى أن تفارقني .. ولكنك كدت أن تفلسني !! .. والله لن أفارقك أبداً )) ..
ثم إنه غسل الحذاء ، ونظفه ، ووضعه فوق سطح منزله ليجف ..
فجاء كلب جائع فظنه رمه فأخذه ، وجرى به ، فوقع من فمه على رأس رجل ، فجرحه وسال الدماء على وجهه ، وعرف الرجل حذاء أبي القاسم فشكاه للقاضي .. فاستدعاه القاضي وقال :
(( أستحلفك بالله يا مولانا القاضي أن تكتب تبرئة شرعية بيني وبين الحذاء على أنه ليس مني ولست منه .. وأن كل منا برئ من صاحبه .. وإنه مهما يفعل هذا الحذاء فلا أُعاقب به )) ..
ثم أخبر القاضي بالقصة كلها .. فضحك القاضي منه ، وأخذ الحذاء ، وتركه ينصرف .

ساعد في نشر والارتقاء بنا عبر مشاركة رأيك في الفيس بوك