أجرى موقع الإسلام اليوم لقاءا مميزا مع إحدى عوائل السعودية، لكنها ليست عائلة عادية؛ فهم مجموعة من المخترعين بدءاً من الأب وانتهاءً بالأبناء. واختراعاتهم ليست في صميم الذرة، أو في تفاعل كيميائي معقّد، فكل مخترعاتهم من بيئتهم الصغيرة التي لا تتجاوز إطار المنزل. في هذا اللقاء يتحدث الأبناء الثلاثة ووالدهم عن اختراعاتهم المصغرة، وعن البيئة العلمية التي ساعدتهم على هذه الإنجازات.

عبد الله لا يتجاوز عمره (16) عاماً قدم اختراعه الأول قبل عدة سنوات، ويصف عبد الله اختراعه بأنه عبارة عن غلاف كتاب مقوى، يكون داخله مصباح صغير يضيء إذا احتاج الشخص للقراءة في مكان مظلم أو في الطائرة مثلاً، ويشير عبد الله الطالب في المرحلة الثانوية إلى أن فكرة الاختراع جاءت حينما كان مع أهله في إحدى الطرق الطويلة، وعندما فتح إضاءة السيارة، طلب منه الأهل إغلاقها حتى لا تزعجهم. ويوضح عبد الله أن هذا المنع قاده للتفكير بإضاءة تكون خاصة بالكتب لا تزعج الآخرين.

ويؤكد عبد الله أنه على الرغم من بعض المشاكل التي واجهتهم إلا أن والده كان يصرّ عليه لإنجاز هذا الابتكار البسيط، حتى استطاع الوصول إلى الشكل النهائي بأدوات بسيطة ومتوفرة في البيئة.

أما نواف الذي يصغر عبد الله بعدة سنوات فيقول: إن اختراعه عبارة عن كاسات تكون على شكل صحن القهوة، وتحتوي على سكاكين لتقطيع البرتقال تضم آلة مؤقتة، تقشر البرتقالة في وقت محدد، ويوضح نواف أن فكرة الاختراع تولّدت عنده أثناء دراسته الابتدائية، وكان يحب تقشير البرتقال، لكنه كان يخشى من السكين، الأمر الذي جعله يفكر باختراع.

أما أحمد الذي يبلغ عمره (12) سنة، فيلخص اختراعه بأنه عبارة عن "دعّاسة" توضع أمام الباب، وحين تطأ عليه تضيء الأنوار، وحينما تطأ عليها مرة أخرى تطفئ أنوار المنزل، وتهدف إلى توفير الطاقة الكهربائية المستهلكة في المنازل، كما أنها لا تقتصر على الإضاءة؛ إذ يمكن ربطها بالأدوات الكهربائية الأخرى مثل التلفاز أو المذياع، ويشير أحمد -الحاصل على جائزة أصغر مشارك من الاتحاد الدولي لمنظمات الحماية الفكرية في جنيف- إلى أن الفكرة جاءت حينما كان يشاهد والده يدخل المنزل، وتكون الإضاءة مغلقة، وهو يحمل بيديه بعض الأكياس، الأمر الذي يجعل من الصعب عليه فتح أنوار المنزل، فجاءت فكرة وضع سجادة "دعّاسة" بألوان فسفورية تكون أمام المدخل، ويتمكن الداخل من رؤيتها في الليل والضغط عليها.

ويوضح أحمد المتفوق دراسياً أن لكل اختراع صعوباته التي تواجهه، وبالنسبة لاختراعه فقد واجهته صعوبات في صناعة الدوائر الكهربائية، والأدوات البلاستيكية، موضّحاً أنه عرض اختراعه في معارض كثيرة، كان آخرها في اللقاء الرابع للمخترعين السعوديين، كما عرضه في معرض المنشآت الصغيرة والمتوسطة في مدينة الدمام، ويشير أحمد إلى أن "عدداً من الناس اهتموا بهذا الاختراع"، وأن بعض الزوار عرضوا دعم المشروع لإكماله، مبيناً أنه بدأ في الفكرة منذ ما يقارب (4) سنوات، وصدرت له براءة اختراع واحدة، بالإضافة إلى براءات اختراع أخرى ستصدر قريباً.

في حوار مع الأب المهندس خالد بن مهدي آل رشيد للتعرف على تجربته في تربية هؤلاء الأبناء المخترعين، وعن اختراعاته هو أيضاً...

كيف بدأت في تنمية حب الاختراع لدى أبنائك؟

كان لديّ هم قديم، وهو نشر ثقافة الابتكار في المجتمع السعودي، وليس لديّ القدرة الاقتصادية لتنفيذ هذا الحلم، إلى جانب قلة الوقت المتاح لمثل هذه المشروعات، فبدأت بتنمية الثقافة بين أولادي، وأطمح أن تتسع الدائرة بعد ذلك لتشمل المجتمع السعودي كله.

ما الآلية التي اتبعتها في ذلك؟

بدأت أولاً بإحضار بعض الكتب التي تتناول موضوع الابتكارات والاختراع، وحاولت تبسيط مفهوم الاختراع في عقول الأبناء، وهو "حل مشكلة قائمة " لذا فإني أوصي أبنائي دائماً بالتفكير في أشياء تكون في البيئة المنزلية الصغيرة، وليس التفكير في أشياء معقدة، والدراسات تشير إلى أن 90% من الاختراعات المسجلة في العالم هي اختراعات استهلاكية، قطعة بلاستيك، خيمة، قلم، براية . . الخ. أما أبحاث الطب والفلك والموضوعات المعقدة فلا تمثل سوى 10% من الاختراعات المسجلة في العالم.

كما أن 42% من مجموع اقتصاديات الدول المتقدمة هو من نتاج المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ولذلك نجد أن الصين مثلاً اشتهرت بتصنيع الأشياء الصغيرة، الملابس، التحف، الألعاب. . ، لكنها دولة عظمى لها ثقلها في الاقتصاد العالمي.

وهذا ما جعلني أسعى لنشر ثقافة الاختراع في مجتمعي أولاً والمجتمع السعودي لاحقاً، وبحكم خبرتي في مجال الاختراعات، فإنني أستطيع منذ بداية الفكرة تحديد ما إذا كانت الفكرة قابلة للتطوير والحصول على براءة اختراع أم لا، الأمر الذي يوفر على المخترع وقتاً وجهداً قبل بدء أي فكرة.

هل تلزم أولادك بتوجّه معين في الاختراعات؟

أنا أسعى لتوجيههم التوجّه السليم فقط لا غير، و على الرغم من رغبتي في جعلهم يبتكرون، إلا أنني لا يمكن أن أقبل منهم أي فكرة، بحجة التحفيز، وإنما أشجعهم على الابتكارات التي يمكن أن تكون نواه لاختراعات أخرى بعد تطورها، وحينما تلاحظ اختراع ابني نواف مثلاً، ترى أنها يمكن أن تُطوّر بشكل أكبر من شكلها الحالي، ويكون لها فائدة ملموسة. حينما سألت ابني عن سبب تفكيره بهذا الاختراع أفاد بأنه كاد أن يقطع يده ذات مرة، ولذا فهو يفكر في حل لهذه المشكلة، وكنت سعيداً جداً لأنه استطاع أن يتجاوز المشكلة ويفكر في اختراع لحلها، وهذا هو ثمرة إيجاد ثقافة الاختراع في بيئة الأطفال الصغار.

كيف استطعت تكوين البيئة المناسبة؟

بحمد الله استطعت بعد توفيق الله ثم مساعدة والدتهم تكوين بيئة أعتقد أنها مناسبة، فمثلاً أحرص أن تكون الإجازة مفيدة للأبناء، وألاّ تضيع دون فائدة، وحين تأتي الإجازة أذهب مع العائلة إلى قريتي جنوب السعودية، لأتمتع بالهدوء، وأطلب من أبنائي أن يجهزوا مثلاً مسوّدة كتاب، أو جمع بعض المعلومات، وأعرض لهم مكافأة مجزية لمن يقوم بذلك.

فمثلاً، استطاع أحد الأبناء بالتعاون مع إخوته، تأليف كتاب عن أعلام الدول في العالم وقصة تكوين كل علم، عن طريق البحث في الإنترنت والكتب المتوفرة، إلى جانب أن إحدى البنات قامت بجمع (80) قصة منتقاة من كتب متعددة، أسمتها "قصص أعجبتني"، فالإجازة الصيفية في نظري يجب ألاّ تُقضى في مجرد السفر، فالإجازة متعة وفائدة في الوقت نفسه، وهنا تأتي مسؤولية الوالدين في تنمية العقل واستغلاله وتحفيز الأبناء؛ لأن فترة الصغر هي الفترة المناسبة لتنمية المهارات وإبرازها، أما حينما يكبر الأبناء، فمن الصعب جداً غرس حب الابتكار أو التعلم فيهم.

نرجو أن تلقي لنا الضوء على اختراعاتك.

اختراعي الأول هو نظام تنظيف علامات الأرضية العاكسة، فقد رأيت أن تنظيفها يستغرق وقتاً طويلاً، فاستطعت ابتكار طريقة يمكنها تنظيف العلامات خلال وقت وجيز جداً.

أما الاختراع الثاني فقد جاء بعد معاناة، فحين كنت في بلدتي جنوب السعودية، كان المناسبات كثيرة جداً، وكنت أرى بقايا الأطعمة تُرمى في القمامة دون أي استفادة منها، وعندها جاءت فكرة تجفيف بقايا الطعام، فالفكرة تعتمد على تجفيف الماء من بقايا الطعام إذا جففت الماء من بقايا الطعام، وهذا يعني تأخير عملية التعفن، الأمر الذي يجعل من السهل حفظ الطعام لمدة أسبوعين قادمين، وبالتالي إمكانية الاستفادة من بقايا الطعام، وقد تطورت الفكرة بحمد لله وقدمت (12) نموذجاً مقترحاً لآلات تجفيف الطعام، وسيبدأ انتاجها للفنادق والمطاعم قريباً بإذن الله.

هل استطعت التواصل مع رجال الأعمال لدعم مخترعاتك؟

في اعتقادي أن هناك عدة نقاط يجب التطرق لها حول موضوع تسويق الاختراعات وتبنيها، أعتقد أن هناك فجوة بين المخترعين ورجال الأعمال، وهذه الفجوة تحتاج إلى ردم، كما أنها تحتاج إلى صبر من المخترعين في الوصول إلى رجال الأعمال، وعدم التوقف إذا ما رفض أحدهم الاختراع بل يجب اللجوء إلى ثانٍ وثالث وهكذا، كما أن على المخترع أن يسوّق اختراعه بطريقة احترافية، وأن يخرجه بالشكل الذي يجعل رجل الأعمال يقتنع به.

وفي رأيي أنه يجب وضع نظام يربط العلاقة بين المخترع والقطاعات ورجال الأعمال؛ حتى يعرف كل شخص مسؤولياته، سواء من المخترعين أو من رجال الأعمال، إلى جانب وجوب وضع نظام يحفز المخترعين على الاختراع المفيد، بالإضافة إلى أننا يجب ألاّ نعمل بتعاطف مع الاختراعات، وإنما ننظر بجدية إلى الاختراعات ومدى أهميتها.

ساعد في نشر والارتقاء بنا عبر مشاركة رأيك في الفيس بوك