إنا كفيناك المستهزئين



خيرية الحارثي



{ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار} [آية 42 إبراهيم]

إن آيات هذا الكتاب العظيم هي عزاء لنا عن كل بلاء يصيب هذه الأمة... وأشدها بلاءً كيد الأعداء ونذالتهم التي باتت تكيد للإسلام وأهله ـ زادهم الله نكالاً وتدميراً ـ على مر القرون والأزمان 0أنباء موجعة تكتنفنا في الصباح والمساء، كيف تجرأ علينا البغاث والجراثيم... لن تبرد لهم خصومة، وكأنهم تقاسموا ألا يهدأ لأمة الإسلام بال، وألا ينتظم لها صف.

ولكن ذلك ليس بمستغرب على أحفاد القردة والخنازير فإن بصماتهم الملوثة ونكالاتهم بأمة الإسلام المتتالية لا تكاد تنقطع مزقهم الهوى كل ممزق، ماذا يريدون ؟

شر يكمن في نفوسهم، إنه الكفر... ظلمة منقطعة عن نور الله...

لكن... فليموتوا بغيظهم... فالكبير والصغير، الجاهل والعالم... يحبك يا رسول الله... يا حبيب الله، نحبك وإن كنا مقصرين اتجاهك، نحبك ونشتاق لرؤية وجهك الوضاء... نحبك ولن يثنونا عن حبك، أنت الذي أخرجتنا من الظلمات إلى النور بإذن ربك... أنت من تحملت المشاق لتوصل إلينا رسالة ربك...اكتنفتك الأحزان والمتاعب منذ أن أُنزل عليك {اقرأ باسم ربك الذي خلق} لم يشهد مثلك عابداً سجاداً شاكراً... رحيماً، حليماً، متسامحاً، لم تكن طالب ثأر، ولا ناشد قصاص، ما انتقمت لنفسك قط، إنك رحمة مهداة قدت العباد إلى ربهم سجاياك تفوق كل وصف.

ما رأينا في دفتر المجد أسمى *** منك حباً برغم كيد الوشاة

صغت للدهر قصة من نضال *** وفعال أبية ذائعــــات

من ينفي عنك كيد الأعداء إلا خالقك، إن فاطر السماوات والأرض وفاطرك لن يتركهم سدى، والله يعلم عاقبة أمرهم أما وعدك سبحانه بقوله: {إنا كفيناك المستهزئين}. يا من حولت أمماً من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد،خلال ربع قرن تبدلت الأرض غير الأرض، صلى الله عليك صلاة وتسليماً دائمين إلى أن يقوم الناس لرب العالمين...

إنا يا حبيب، يا أغلى الرجال يا من حزت على المكارم وتفردت بالقيم، يا من وصفك ربك {وإنك لعلى خلق عظيم} إنا نشكو إلى الله حالنا وضعفنا وقلة حيلتنا...

إنا لنستحي من الله مما جنته أيدينا، فلقد بلغت ذنوبنا عنان السماء، لقد تغير حالنا بعدك، أما بكى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما سمع {...اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا... } [المائدة: 3]



وعندما سأله الحبيب صلى الله عليه وسلم عن سبب بكائه قال رضي الله عنه: أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا فأما إذا كمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص فقال عليه الصلاة والسلام: صدقت.

فما بالنا نحن يا أمير المؤمنين ـ لو رأيت أمة محمد وما وصلت إليه من الترف والركون إلى الدنيا، والتعلق بحطامها، هبطنا من الأوج إلى القاع فُسلط علينا الأعداء وأصبحنا لقمة سائغة لهم، بل كرة يدحرجونها كما يريدون.



إن هذه الأمة وصية على البشرية طالما تمسكت بذلك النهج الإلهي، ومتى تخلت وحادت ردها الله عن مكان القيادة إلى مكان التابع في ذيل القافلة، فمتى نعترف بأغلاطنا، متى نبكي على خطايانا.

ومع كل ذلك، مهلاً فإن هذه الأمة... أمة مصطفاة...إنها الأمة التي رفعت علم التوحيد... وحطمت شموخ الأكاسرة والقياصرة إنا فداك يا رسول الله... كلنا نحبك الملك والمملوك، التقي والعاصي، العربي والأعجمي... ليرى الأعداء من هو محمد صلى الله عليه وسلم، ومن هي أمته، يوم ينقلبون إلى الله، {... وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} [الشعراء: 277].

سيعلم الفجرة الكفرة من هو محمد الذي كاد الناس يقتتلون على شعرة من رأسه عندما حلق رأسه يوم النحر، لو سمع الأعداء أن منهم من كان يضع هذه الشعرة في الماء إذا أراد أن يشرب رجاء بركته صلى الله عليه وسلم.

كان الصبيان يأتونه صلى الله عليه وسلم فيضع كفه المبارك في إناء الماء واللبن فيجدون فيه البركة والشفاء بإذن الله، إن مناقبه لا تنقضي ولا تتسع لها السجلات... إن فضائله جعلته شمساً لا يلحقها أفــــول.

أنت الإمام الذي نرجو شفاعته * * وأنت قـــدوتنا في حالك الظلم

مهلاً يا أعداء الدين، يا أعداء رسول الله غداً اليوم الموعود يوم لا ريب فيه ستطيش فيه عقولكم، وسيتبين لكم الحق، سترون صاحب الشفاعة العظمى، والحوض المورود، والمقام المحمود.

إن نصرته صلى الله عليه وسلم، بامتلاء القلب بتوقيره، والسمع والطاعة، والسير على نهجه القويم.

اللهم إني أمة ضعيفة، وخلق من خلقك، أتوسل إليك أن تجعل كلماتي هذه حجة لي لا حجة علىّ، أتوسل إليك باسمك الأعظم ألا تجعل محمداً صلى الله عليه وسلم خصيمي يوم القيامة، اللهم اجزه خير ما جزيت نبياً عن أمته، اللهم أوردنا حوضه، وارزقنا شفاعته... اللهم عاملنا بما هو أنت أهل له، ولا تعاملنا بما هو نحن أهل له،إنك أهل التقوى وأهل المغفرة.

ساعد في نشر والارتقاء بنا عبر مشاركة رأيك في الفيس بوك