حصار غزة ... والامتحان الرهيب



حقاً.. إنّ الأحداث تصنع الأشخاص،والمواقف تكشف حقائق الناس


وما أحداث غزة وموقف الناس قاطبة (مسلمهم وكافرهم) منها إلا شاهد صدق ومثال حي على
ذلك..

فما كنا نحسب أن القيم الإنسانية والنخوة العربية والأخوة الإيمانية تضعف وتندثر
حتى تكاد تتلاشى وتنعدم!!

وما ظننا أن الطبائع البشرية والصفات الجبليّة تنتكس وتنحط إلى هذه الدركة من
السقوط والانهيار..!




يحدث ذلك حين يتواطى (الجميع) على التخلي عن نصرة
المظلوم والأخذ على يد الظالم إلا من قلة قليلة لا تكاد تذكر أمام الكثرة الكاثرة
المتخاذلة،يرافقه تنادي بعقد الاجتماعات الطارئة وإطلاق الكلمات الباردة لتهدئة
غضبة الجماهير ومخادعتهم،والظالم مستمر في طغيانه،والمستضعفون يتجرعون المآسي...

لتبلغ البشرية درجة من السوء تكاد تضاهي ما كان عليه أهل الجاهلية الأولى...





فقد حاصر كفار قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه
ومن ناصره من بني هاشم في شعب أبي طالب،بلغ بهم الجوع والجهد كل مبلغ،وأصابتهم
اللأواء والضراء،إلا إنّ أنفُس الناس في تلك الفترة كانت لازالت تحمل بقية باقية من
القيم الإنسانية،وجوانب من صفات الفطرة السوية-على ما فيها من ضلال وجهل وسفاهة
أحلام- فلم تطاوعهم ألسنتهم على السكوت،ولا أعينهم عن الإغضاء،عن الظلم والاعتداء
والحصار والاستبداد...





فقام بعض عقلائهم بالاعتراض على صحيفة القطيعة
الجائرة(،فتبعهم على ذلك آخرون واتفقوا على نقض الصحيفة وفك الحصار مع ما كان بينهم
وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعه من عداء مستحكم ..

واليوم يعيد التأريخ نفسه فيشن(اليهود وحلفائهم)حرب إبادة جماعية على (أهل غزة)
بفرض حصار كامل عليها..

بإغلاق جميع المعابر والمنافذ..ومنع دخول الأطعمة والأدوية،وجميع متطلبات الحياة
الضرورية،التي إن توفر شيء منها فإنه لايمكن الحصول عليه إلا بأسعار خيالية،مع عدم
توفر الأموال..فليس هناك وظائف ولا رواتب،حتى أنه لم يعد هناك نشاطاً تجارياً،إلا
بالمبادلة اليدوية .. تُعطيه زيتونا،ويعطيك زيتا ..تعطيه دقيقا و يعطيك بيضاً ..






حتى نفذ ما في أيدي الناس.. فصار الناس يتحركون في شوارع غزة
وكأنهم في سجن كبير...ومُنع الوقود..وانقطعت الكهرباء،فتعطلت المستشفيات،وأغلقت
المصانع والمخابز،وتوقفت السيارات،وعمّ الظلام بالليل في مدينة غزة بكاملها..

مع استمرار التقتيل الإسرائيلي البشع بالقصف الجوي العشوائي،وتوغل الدبابات
الغوغائي..مما يهدد بكارثة إنسانية على جميع المستويات مما يعني حكمًا بالإعدام على
مليون ونصف إنسان في غزة،على مرأى ومسمع بل (وتواطؤ) ممن يزعمون أنهم دعاة السلام،و
ينادون بما يسمى بالديمقراطية،وغيرهم ممن يُفترض أنه لازال يحمل شيئا من الصفات
الإنسانية والمعاني الأخلاقية السامية....

فأين الإنسانية..وأي حياة تعيشها البشرية..؟!!





و بماذا تجيب-أمة الإسلام على امتداد رقعتها وتوافر مقدراتها
وكثرة أعدادها وبخاصة قادتها وكبرائها وعلمائها-ربها وما موقفها أمام التاريخ وهي
تلتزم الصمت المخزي وتقيم الاحتفالات على مشاهد أشلاء الشهداء المتناثرة،وأصوات
آهات الثكالى،وتتابع القتل البطيء للأطفال والنساء والشيوخ بالحصار والقصف الصهيوني
لمدينة غزة،لا لشيء صنعه أهلها إلا لأنهم انحازوا بدينهم ورفضوا الانصياع لعدوهم
... تموت الأسد في الغابات جوعاً *** ولحم الضأن تأكله الكلابُ

وأشد من ذلك –وربي- أنّهم يجدون ألواناَ من الأذى والتضييق ممن يدعون أنهم وإياهم
شعب واحد وغايتهم واحدة ويحاربون عدواً مشترك،فتراهم يمدون أيديهم مصافحين لأعدائهم
ومرحبين،ويقبضون أيديهم عن مساعدتهم..ويكشرون بأنيابهم تبسماً في وجوه أعدائهم
واستقبالاً لهم ،وقد أشاحوا بوجوههم إعراضاً عن إخوانهم وتقليلاً من شأنهم..!!





ومما يزيد البلاء أن نجد من بني جلدتنا وممن ينتسب لشرعتنا
يرغي مزبداً تارة،ويتمتم مستخفياً أخرى بكتابات ممجوجة شامتاً بما حلّ بهم،ومتبجحاَ
باستحقاقهم لما أصابهم،مبرراً ذلك بدعوى خطأ تصرفاتهم أو فساد منهجهم متجاهلاً
المعني الشرعي لقول النبي صلى الله عليه وسلم(أنصر أخاك ظالماً أو
مظلوماً)،متغافلاً عن خبر الله الصادق في أعدائهم بأنهم(كلما أوقدوا ناراً للحرب
أطفأها الله)...

فلنحذر العقوبة العاجلة والآجلة بخذلانهم فقد روى أبو داود قول النبي صلى الله عليه
و سلم"ما من امرئ يخذل امرأ مسلماً عند موطن تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه
إلا خذله الله عز وجل في موطن يحب فيه نصرته وما من امرئ ينصر امرأ مسلماً في موطن
ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته"






فإن خذل أهل المكانة والجاه والمال والعلم إخوانهم في (غزة)
فلا ينبغي لأحدٍ أن يحقر نفسه أو يستقل دوره في نصرتهم فقد تكون أنت من أسباب رفع
بلائهم،بل وإعادة أمجاد الأمة والتمكين فرسولنا صلى الله عليه وسلم يقول((أهل
ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم ) رواه البخاري





أما أهل (غزة) فعسى أن يشملهم قول النبي صلى الله عليه
وسلم((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحقّ،لا يضرّهم من خذلهم حتى يأتي أمر
الله وهم كذلك ) أخرجه مسلم وفي رواية((لا تزال طائفة من أمتي على الدين
ظاهرين،لعدوهم قاهرين لايضرهم من خالفهم،ولاماأصابهم من البلاء حتى يأتيهم أمر الله
وهم كذلك،قالوا يا رسول الله وأين هم؟ قال في بيت المقدس،و أكناف بيت المقدس ))فإن
مُنع عنهم الدواء والغذاء و الماء...فإنّ رجائهم لا ينقطع عن مدد السماء ..






لذا.. فإن الحصار الذي تعيشه غزة (امتحان رهيب)تنكشف خلاله كثير من الحقائق..

كشف بجلاء عن الواقع الحقيقي التي تعيشه الأمة الإسلامية..

وكشف خبث يهود وتجردهم عن كل معاني الإنسانية...

وكشف حقيقة أصحاب الدعاوى الكاذبة..!!

وكشف حقائق ما كانت لتُعرف لولا هذه الشدائد....فجزاء الله الشدائد كل خيرٍ...

وكشف ما يعيشه أهل (غزة) من استعلاء على الباطل (وعزة)...

قال تعالى: { ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من
الطيب}

وتحت ذلك الحصار الظالم الذي أحاط بـ(غزة) يتم صياغة جيل التمكين...

فالمصائب هي طريق المجد والتمكين،والآلام محاضن الآمال...

فلا تمكين إلا على جسر من البلايا والمحن ومواقف من التضحيات والفتن..

فليبشروا بنصر من الله قريب قال عز وجل



(( ونريد أن نمن على
الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونرى
فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ))


ومضة:

يا تلاميذ غزة

علمونا

بعض ما عندكم

فنحن نسينا

علمونا

بأن نكون رجالا

فلدينا الرجال

صاروا عجينا

يا تلاميذ غزة

لا تبالوا

بإذاعاتنا

ولا تسمعونا

فقد صغرنا أمامكم

ألف قرن

وكبرتم

خلال شهر قرونا


/




الشيخ حميدان الجهني




المشرف العام على مفكرة الدعاة

ساعد في نشر والارتقاء بنا عبر مشاركة رأيك في الفيس بوك