موت الدعاة حياة

الدعاة..من العلماء العاملين وطلابهم المصلحين وأتباعهم المخلصين

يعيشون لأهداف سامية..ويسعون لمقاصد عالية..ويعمرون الأرض بالدعوة إلى الله..

فحياتهم بركة..ووجودهم نور..وكثرتهم رحمة..

لأنهم يمشون في الأرض دعاة، على نور من الله،يدعون من ضلّ إلى هداه..

يصلحون ما أفسد الناس،ويسعون لإسعاد الآخرين،ويضيئون الطريق للحائرين..

فكم هدوا من ضلالة،وعلموا من جهالة،وأماتوا من بدعة،وأبطلوا من شرك..

وكم أخرجوا من متخبط في ظلمات الغفلة والضياع،إلى نور السنة والإتباع..

وكم تائب ومنيب تأثر بوعظ الدعاة واستفاد من نصحهم فعاد إلى جادة الصواب..

وكم قامت من مشروعات ،وأقيمت من عبادات،وأمنت المجتمعات وساد فيها الخير...

كل ذلك وأضعافه كان بفضل الدعاة الذين شهد الله بفلاحهم ..

حين اختارهم الله لحمل رسالته ، ونشر شريعته ، وحفظ ملته..فساروا على نهج رسله
وطلبوا رضاه..

{ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم
المفلحون }

فأي حياة خير من حياة الدعاة...






فإن أجمل ما في الحياة أخي الداعية أن تشعر بأنك تقدّم شيئاً للآخرين..

وليس هناك شيءٌ تقدمه أفضل من نعمة الهداية...

فحياة الدعاة خير حياة

وكذلك فإن:-

موت الدعاة حياة

فما هم والله بأموات،وإن غادروا هذه الحياة...

وليسوا تحت التراب رفات،وإن سكنت منم الحركات..

ولكنهم بأعمالهم أحياء،وبمآثرهم سعداء...

في أكرم منزلة،وأحسن مقيلا،وأهنأ عيش،وأنعم رفيقا..

لأنهم كانوا أحسن الناس قولاً،وأتبعهم سبيلا..








موت الدعاة حياة

لأن مآثرهم بقيت معلماً يُشار إليها،وسيرتهم نوراً يُستضاء بها..

فإن ذهب الدعاة بأجسادهم..فقد بقيت أثارهم وكلماتهم وكتاباتهم شهادة على حياتهم..


قال بن عثيمين رحمه الله( ففي الحقيقة أن حياة الداعية ليس معناها أن تبقى روحه في
جسمه فقط بل أن تبقى مقالته حية بين الناس،))أ.هـ

مات قوم وما ماتت مكارمهم ** وعاش قوم وهم في الناس أموات








موت الدعاة حياة

فالألسن تلهج بالدعاء لهم والثناء عليهم..

والمجالس تزخر بذكرهم وتعداد مناقبهم..

والقلوب تنبض بحبهم على مرّ العصور..

فكأنهم وهم تحت الثرى،أحياء بين الورى

قال تعالى (واجعل لي لسان صدق في الآخرين ) يقول الطبري في تفسيرها:واجعل لي في
الناس ذكراً جميلاً، وثناء حسناً،باقياً في من يجيء من القرون بعدي.أ.هـ








موت الدعاة حياة

لأنهم يحملون همّ الدعوة في كل حين..ويسلكون للقيام بالدعوة كل سبيل..

يشفقون على الخلق،ويحببونهم إلى الخالق..

حالهم كذلك المؤمن الذي جاء يحمل همّ الدعوة من أقصى المدينة ساعيا لنصرة النبيين
وداعياً قومه إلى الحق المبين،فما كان منهم إلا أن قتلوه،فما أن بشره ربه بالجنة
إلا وتمنى لو يعلم قومه بما أكرمه الله به لينالوا تلك المنزلة،فهمّ الدعوة والنصح
لقومه لم يفارقه حتى بعد موته مع ما فعلوه به..

قال سفيان الثوري عن عاصم الأحول عن أبي مجلز {..ومقصودة أنهم لو اطلعوا على ما حصل
لي من هذا الثواب والجزاء والنعيم المقيم, لقادهم ذلك إلى اتباع الرسل فرحمه الله
ورضي عنه, فلقد كان حريصاً على هداية قومه}








موت الدعاة حياة

لأن موتهم ليس نهاية المطاف...بل بداية القطاف..

حين يطلعون على ما أعده الله لهم من نعيم فيه يرفلون..

جزاء على صالح أعمالهم التي أسلفوها..وجميل فعالهم التي أسدوها..

نصيحةً للخلق..وهداية للبشرية..

قال تعالى:{إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام
مبين }

وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم
شيئاً.....»








موت الدعاة حياة

لأن أجورهم أنهار جارية لاتنقطع..

وحسناتهم عينٌ ساقية لا تنضب..

وموازينهم أعمالهم كل يوم تثقل..

بأعمالٍ دعوا إليها،وعلومٍ نشروها،ومناقب خلّفوها...تلحقهم بعد موتهم

روى ابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم(إنّ مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علماً علمه ونشره...)) حسنه
الألباني

فأي حياة أجلّ من تلك الحياة؟!








موت الدعاة حياة

فماهم بأموات..بل موتهم حياة لمن بعدهم ..

ليستيقظوا من رقدتهم..وينتبهوا من غفلتهم..

فيعتبروا بحالهم..ويسيروا على منهجهم وحداناً وزرافات..

فموت الدعاة موعظة للقلوب والأرواح،وتذكرة للأفراد والجماعات،ونور للطائعين والعصاة..

قال الوركاني:"وأسلم يوم مات (أي الإمام أحمد) عشرون ألفًا من اليهود والنصارى
والمجوس".

ففقد الدعاة لا يزيد من أراد الله بهم خير ممن بعدهم إلا..

تزوداً بالتقوى وإيماناً وتسليماً..وثباتاً على الهدى ورسوخاً ويقيناً..

وإصراراً على سلوك طريقهم واقتفاء أثارهم وإقتداء بهم..








وموت العالم الداعية يحفّز طلابه على نشر
علمه،والقيام بمهمته ودوره،وسد الثغر الذي خلِي بموته.

فهذا سعد بن الربيع رضي الله عنه حين أشيع أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد
مات،وهو القائد قال:وماذا تنتظرون موتوا على ما مات عليه؟ فقال الله مصدقاً ما قاله
ومؤكداً صحة مقاله ((وما محمدٌ إلا رسولاً قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل
انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين
)).

وكان ذلك.. فمات عليه أفضل الصلاة والسلام وغادر الدنيا..

فهل فتّ ذلك من عضد أصحابه أم قوى من عزائمهم ؟

هل تخاذلوا وتلاوموا أم تجمعوا واتفقوا ؟

هل غيروا وبدلوا أم صبروا وثبتوا ؟

هل تخلوا عن الدين وأسلموا للخصم العرين؟ أم حملوا راية الجهاد ونشروا العلم بين
العباد ؟

كلا.. فقد كانت سيرته وهديه خير معين لهم على الثبات..

فترسموا خطاه وساروا على هداه...وحملوا لواء الدعوة على بصيرة..

حتى ملئوا الأرض علماً وعدلا كما ملئت جهلا وظلما.

فكانت وفاته عليه الصلاة والسلام حياةً لأتباعه،وبقاءً لمنهجه،ودليلاً على حسن
تربيته وتعليمه.



كما كانت وفاة أبو بكر أكبر حافز لعمر ـ رضي الله عنهما ـ للقيام بأعباء الخلافة من
بعده خير قيام

فكان كلما فتر جهده،وضعف جده.. تذكر أبو بكر وفقده فقال : لقد أتعبت من بعدك يا أبا
بكر.








وغلام الأخدود نموذج فريد لداعية شهيد.. مات ليحيي
الله بموته أمة من الناس كانوا أمواتاً..

فما كان ليطلب الموت جزعاً أو يأساً وقنوطاً،ولكن طلبه لرفعة الدين،وهداية
الآخرين..

فقد حمل لواء الدعوة منذ أن هداه الله مستغلاً ما وهبه الله من إمكانيات فكان يقول
لمن يعالجه:

(إن آمنت بالله دعوت الله فشفاك)..

فعزم الملك الجبار على قتله مراراً لإيقاف دعوته فحفظه الله بإيمانه ودعائه
ودعوته..

إلا إنه -لعلوا همته-حرص على إبلاغ الدعوة للعالمين ولو على حساب حياته..

فقال للملك الظالم: إن أردت قتلي فاجمع الناس في صعيد واحد ، واصلبني على جذع ، ثم
خذ سهماً من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل"بسم الله رب الغلام" ثم ارمني
ففعل الملك الجبارُ ذلك ثم قال"بسم الله رب الغلام" ورماه فوقع السهم في صدغه فمات
والناس ينظرون ويسمعون فقالوا : بصوت واحد آمنا برب الغلام.

وآمنوا بالله وأسلموا له ، ولم يبالوا وقد رأوا فعل الغلام -بالعذاب الذي توعدهم
الجبار به- فما أن خدّ لهم الأخاديد ، وأوقد النيران ليقذفهم فيها أو يكفرون بالله
، إلا وتسابقوا إليها قبل أن يدفعون فيها، ولم تتلكأ إلا امرأة واحدة خوفاً على
رضيعها، فأنطقه الله تأييداً لفعل الغلام ، فقال : يا أمة : اصبري فإنك على الحق.

فكان هذا الغلام الشهيد حياً في الحقيقة عند الناس بسيرته وتضحيته حين تسابقوا إلى
الموت إقتداءً به ، بل وحياً في قبره ، فقد جاء في كتب التاريخ أنه أُخرج في زمن
عمر من قبره فوجدوا يده على صدغه كما وصفها ، فرفعوها فسال الدم فأرجعوها كما هي...








نسأل الله العظيم من فضله...



*******************

كُتبت هذه المقالة عند وفاة أخي الداعية في مفكرة الدعاة أبو أيمن الحوباني-رحمه الله ورفع درجته-وفاء لحقه..


الشيخ / حميدان الجهني

ساعد في نشر والارتقاء بنا عبر مشاركة رأيك في الفيس بوك