القت بي عصا الترحال عند احد الرجال فاستقبلني بالترحاب قبل ان ادخل مع الباب وهش وبش ثم قال: انت تصل الارحام وتزور ابناء الاعمام فلا تستحق الا الشحم واللحم ومختلف انواع الطعام والآن وقبل ان تشرب هذا الماء اني ادعوك للعشاء وان لم يكن فالغداء فاعتذرت وقلت: انا من اهل هذا البيت? فلست بحاجة الى كثير كلام فإنه يكفيني اي نوع من الطعام فقاطعني وقال كيف? وانت ضيف?? فلا بد مما ليس منه بد وان لم احلف باليمين فعشاؤك سيكون جدي سمين.
فخرجت لقضاء حوائجي ثم عدت ادراجي ومنيت نفسي بأن اتناول الشواء قبل العشاء وكان الليل قد اجلب بخيله وحط برجله . ونورت السماء بنور القمر في ليلة اربعة عشر فدخلت المجلس لاجلس فاذا بضعة عشر من الرجال فقاموا في الحال فالقيت عليهم تحية الاسلام وقلت السلام فصافحت وعانقت وقبلت. ثم ما فتأت ان جلست فحدثتني نفسي ان هنا لي وليمة ولا شك انها عظيمة والا فلما حضر هؤلاء في هذا المساء ثم حضر مضيفنا وجلس الينا فما زلنا في سمر وحديث مستمر فطال الكلام من هؤلاء الانام فجال في خاطري الا شواء ولكن اين العشاء?? اين الكبش السمين ولماذا لا يأتون به في هذا الحين فلقد مضى اكثر الليل فلم يبق منه الا القليل وبعد ان جلسنا حتى مللنا جاء الطعام فصرمت حبال الكلام فقمنا بسرعة ولم نفكر في الرجعة ولكنني تفاجأت حينما نظرت وقل عندي الابتهاج حينما ابصرت الدجاج? فكيف تحول الجدي المحشي الى دجاج مشوي? وكيف تحول اللحم الاحمر الى لحم ابيض واصفر. اما الدجاجات فكانت ثلاث حبات فأكل الحاضرون لحمها قبل عظمها فكأنهم في ساحة للحرب وكأنهم في ميدان للضرب وكأنهم لم يذوقوا الطعام منذ ايام . فقمت عجلا لا وجلا ثم رجعت مكاني وجعلت شخصهم قيد عياني فقلت ما بال هؤلاء القوم كأنهم اصيبوا بالنوم? ثم انهم انتشروا في المجلس كل يريد ان يجلس ثم شربنا الشاي في الكؤوس لنقربه الرؤوس وقام احد المبتلين فأشعلوا سجائر التدخين فقامت فوق رؤوسنا سحب الدخان ونحن في ذلك المكان فنهضت رافعاً انفي للسماء لعلي اتنفس من الهواء فقام معي احد الحاضرين بعد ان سئم من المدخنين فقمنا سوياً ومشينا مليا فلما انست اليه التفت عليه وقلت: هل كرم الضيافة له حد? وهل في مقام الضيف اخذ ورد? فنظر الى شزراً وقال ان لديك لامراً ثم كرر النظر وقال اصدقني الخبر ودع اللجاج فهل تشير الى الدجاج? فقلت له: احسنت فلقد اصبت فقل فصلا واحكم عدلا وتكلم فمنك سأتعلم فصال في الكلام وجال ثم قال: انت لاتملك عقار حتى يكون لك مقدار ولست من ذوي المناصب العليا حتى ينظر لك اهل الدنيا فليس وراءك مصالح وان كنت رجلاً صالح فيجودون عليك باللسان ويطعمونك من ارخص الاثمان اما اللحوم الحمراء والفاكهة الصفراء والخضراء فهي لبعض الرجال الذين هم من اهل الاموال ففيهم تكون الحاجة ولو كان احدهم لا يساوي دجاجة وهم يستحقون التبجيل والاحترام ولو كان احدهم من اللئام ومضيفك هذا يظن نفسه ماذا? أيظن انه خالد وهو ليس بخالد فكيف يطعمك الهزيل ويرضى لغيرك بالجميل والاضياف ليس لهم اصناف فهم اضياف وليس بينهم اختلاف الا عند المنافقين وجماعة الافاقين الذين تأثروا بالماديات فجعلوها من الضروريات وكيف جمع بين قبيحين وزاوج بين صفتين فأطعمك بخلاً وكذباً وكأنه لم يصنع ذنباً فدعاك للوليمة ولم يعتبر لك قيمة? ولقد اشمأز العرب من البخلاء وفضلوا عليهم الجهلاء فالبخيل صاحب تكليف والجاهل رفع عنه التكليف والكرم صفة الرحمن فهو الكريم المنان وهو فضل فلا يعطيه الا من احب وهو فضل الله فلا يفوز به الا من ارتضاه فجعله في الانبياء والصالحين وخص به عبادة المصطفين ثم قطع كلامه وتوقف وقال انا لا اتأفف ولكن حان وقت النوم فلنعد لاولئك القوم وحانت ساعة الانطلاق وقرب موعد الفراق وخير الكلام ما ختم بصلاة وسلام.



المصدر
http://www.okaz.com.sa/okaz/Data/200...Art_197735.XML

ساعد في نشر والارتقاء بنا عبر مشاركة رأيك في الفيس بوك