التغيير الحقيقي هو الذي يحدث في المبادئ والقيم

بعض مجالات التغيير:

بماذا سوف نغير؟ أو ما هي الأمور التي سوف نغيرها؟

1- التغيير في المبادئ والقيم:

فكلما عشت أكثر متأملاً في الإنتاج البشري، نظرت إلى واقع الحضارات والمجتمعات، فكلما نظرت في الفلسفة والعلوم والتكنولوجيا وغيرها، تجد في النهاية كل شيء يرجع إلى الفكر، وكل أمور الحياة يحكمها الفكر.

فالمبادئ والقيم التي ينطلق منها البشر هي التي توجه كل حياتهم، وهي التي توجه كل إنتاجياتهم.

بعض الناس يسمونها حضارة، والبعض يسمونها تقدماً، والبعض فكر، والبعض فلسفة.. لكن في النهاية هي مجموعة قيم ومبادئ تتحكم بنا ونحن نتبناها باختيارنا، فكل مولود يولد على الفطرة، ولو ترك الإنسان بدون مؤثرات لعاش على منهاج رب العالمين، و"كل مولود يولد على الملة فأبواه يهودانه وينصرانه ويشركانه". (متفق عليه).

تبدأ عملية زرع القيم منذ الطفولة، وكلما تأملت ونظرت ودرست وعشت الحياة أكثر، عرفت أن معظم القيم تنغرس في الإنسان في الست السنوات الأولى من حياته، ومن هنا يأتي الخلل الجسيم وهو أن تعامل مرحلة رياض الأطفال على أساس أنها مرحلة لعب ولهو، فهي مرحلة زرع القيم والمبادئ والفكر، وتحكم ليس فقط العقيدة بل تحكم علاقات الإنسان وطريقة إنتاجه.

وهناك كتاب ممتاز باللغة الإنجليزية اسمه "كل ما أحتاجه في الحياة تعلمته من مرحلة الروضة".

وهذه القيم تزرع في نفس الإنسان من قبل مؤثرات خارجية، وبالذات الأبوان؛ فلهم تأثير غير عادي في زرع هذه القيم والمبادئ، ثم يكبر الإنسان وينضج ويبدأ يفكر في الاستقلال عن هذه المؤثرات الخارجية، فيبدأ باختيار قيم جديدة ومبادئ جديدة يختارها من تأثره بأصدقائه، أو من خلال الأفلام والإعلانات وغيرها، لتزرع فيه قيماً ونظرات جديدة للحياة.

وهناك مجتمعات تزرع في أبنائها أن للوقت قيمة في حياتنا. وتأتي مجتمعات مثل مجتمعاتنا فتزرع مثلا "إن لم آت في الساعة الرابعة انتظرني إلى الخامسة" وهكذا.

بمعنى أنه لا يوجد للوقت قيمة عندنا. والوقت هو حياة الإنسان؛ فإذا لم نضع قيمة للوقت كأننا لم نضع قيمة لحياتنا. وهناك مجموعة من القيم التي تزرع في المجتمعات العربية في منتهى السوء للأسف، ومنتشرة بين الناس، ويؤمنون بها، من هذه القيم ما نتمثل به من الأمثال الشعبية:

فهناك مثل يقول "شوف وغمض" بمعنى شوف الغلط واسكت.

وهناك قيمة ثانية تقول "روح بعيد وتعال سالم".

وقيمة ثالثة تقول "مد قدميك على قدر لحافك". ولماذا لا نمد لحافنا على قدر أرجلنا‍‍؟

وقيمة أخرى تقول "القناعة كنز لا يفنى". لماذا لا يكون الطموح؟

فكثيرٌ من الناس يأخذ هذه الأمور كمسلمات ويؤمن بها، ومن هنا نريد أن نعيد النظر في هذه المبادئ الخاطئة.

عندما يبدأ الإنسان يفكر بطريقة تختلف عمن حوله، يبدأ بتبني القيم الصحيحة؛ فلا يأخذ كل ما يأتي من والديه أو ممن حواليه، أو من الإعلام، أو المفكرين أنه مُسلَّم به.

لماذا أنت مسلِّم؟ فنحن لدينا شرع الله قوته في منطقه، ولذلك فنحن مستعدون أن نناقش أي قضية حتى بما فيها قضية التوحيد. فكل شيء قابل للنقاش عندنا نحن المسلمين. مثلاً هل الله موجود أم لا؟ نستطيع أن نناقشها بمنطق الإسلام. وهل الله لديه ولد أم لا؟ وهكذا...

إذن هناك قيمة أخرى هي قيمة العقل. ولا يوجد تسليم لا لشيخ ولا لحزب ولا للوالدين. فلا تسلم لأحد ولا تسلم إلا بالدليل والبرهان والحجج، وهذه القيم يجب أن نزرعها في نفوس أبنائنا.

وهناك قيمة جديدة، وللأسف نحن تعودنا في مجتمعاتنا أن نسميها باسم احترام الكبار والشيوخ، وهي أن نسلِّم، وسلَّم بمعنى قلد. وديننا جاء لرفض هذا {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ}.

فهذه قضية أساسية ينكرها القرآن. ماذا فعل القران؟ جاء لنسف القيم والمبادئ التي قامت عليها حياة الجاهلية، وجاء بقيم جديدة، وعندما جاء بقيم جديدة صنع حضارة جديدة.

إذن، أعظم تغيير وأكبر تغيير هو التغيير الذي يحدث في المبادئ والقيم؛ لأنه يحكم كل التغيرات الأخرى، ويبنى على هذا تغييرات في السلوك وفي أساليب الإدارة وغيره.

لكن يبدأ في تغير في السلوك، وبالتعامل مع الآخرين؛ لأن تعاملنا مع الناس سيحكمه المبادئ والقيم التي تبناها.

بذلك عندما يكون عندي موظفون واستخدم الابتسامة الدائمة والضحك معهم.. ما هو هدفي؟ والهدف عند الكثيرين هو امتصاص دماء الموظفين ثم التخلي عنهم من أجل زيادة الإنتاج وزيادة الربح.

إذن هناك مبدأ غلط، فهنا نريد أن نعيد النظر في قضية السلوك وفي قضية العلاقات.. لماذا أتصرف بهذه الطريقة؟

س. هل يستطيع أي شخص منكم إضحاك أي شخص آخر؟

طبعا لا يستطيع؛ لأن الشخص الآخر قرر أنه لن يضحك.

س. هل يستطيع أي شخص إثارة أعصابي؟

طبعا لا يستطيع؛ لأني قررت أن لا أغضب وأن لا "أتنرفز".

إذن، سلوك الإنسان نابع من قرارات الإنسان نفسه، وقرارات الإنسان تنبع من قيم هذا الإنسان.

إذن، أنا أستطيع أن أتغير، ولا يوجد سلوك مفروض عليّ. الولد الكسول في المدرسة هو الذي قرر أن يكون كسولا، ونحن لن نستطيع أن نغير الناس، ولن نستطيع أن نجعل ذلك الولد نشيطا. بل نستطيع أن نوجد له مناخاً، ونوجد له بيئة مناسبة وحافزا مناسبا لكي يتغير. لكن التغيير لا ينبع إلا من داخل النفس البشرية.

إذن التغيير قد يكون في المبادئ والقيم، وقد يكون في السلوك والتعامل مع الآخرين، وقد يكون في أساليب الإدارة.. كيف أدير نفسي والموظفين؟ كيف أدير البيت؟

س. كم شخصاً منكم كلما أتاه الخادم بكأس ماء يقول له شكرا، في كل مرة؟

يستطيع الإنسان أن يقود بالأوامر، ويستطيع أن يقود بالاحترام.

أنس بن مالك رضي الله عنه يقول "خدمت مع الرسول صلى الله عليه وسلم عشر سنوات، فما قال لي في أمر فعلته لما فعلته وفي أمر لم أفعله لما لم تفعله" فأيُّ رقيٍّ في التعامل وأيّ أسلوب في الإدارة والقيادة ينبع من قيم أخلاقية. إذن هل تستطيع أن تتغير لتصبح بمثل هذه الصورة؟

*وردتنا هذه المشاركة عبر البريد الإلكتروني دون ذكر اسم كاتبها وفضلنا نشرها لتعم الفائدة مع الاحتفاظ للكاتب بكامل حقوقه الأدبية

ساعد في نشر والارتقاء بنا عبر مشاركة رأيك في الفيس بوك